Aya

1953

HT logo
  adv search
new email def main site arabic
info office misc wilayat books tahleelat lflts  
                 
 
:::

بسم الله الرحمن الرحيم

جواب سؤال
دوافع وأبعاد إعلان حماس لوثيقتها الجديدة

السؤال: أعلنت حماس من الدوحة الاثنين 1/5/2017 قبولها بدولة فلسطينية على حدود 67 باعتبارها “صيغة توافقية وطنية مشتركة” وحذفت عبارة “تدمير إسرائيل” وأعلنت استقلاليتها عن الإخوان المسلمين... وسؤالي من شقين:

الأول: هل إعلان حماس لوثيقتها الجديدة مرتبط بحلول سلمية تفاوضية تحملها الإدارة الأمريكية الجديدة؟

أو أن هذا “الانقلاب” في أهداف حماس كان بتأثير من أوروبا في خط منفصل عن السياسة الأمريكية؟
 

الجواب: من أجل إدراك دوافع وأبعاد إعلان الوثيقة الجديدة، والمسماة “وثيقة المبادئ والسياسات العامة لحركة حماس”، وعلاقة ذلك بأمريكا وأوروبا... نستعرض كل ذلك فيما يلي:

أولاً: نتائج تنازلات المنظمة ثم لحاق حماس بها:

1- تنازلت منظمة التحرير “ممثل فلسطين المزعوم” عن 80% من أرض فلسطين (احتلال 48) بحجة أن تكون لهم دويلة في المحتل 1967، ولكن اليهود بدل أن يقدموا في مقابل ذلك اعترافاً بما تبقى من فلسطين (احتلال 67) للفلسطينيين قدموا اعترافاً بمنظمة التحرير! بل إن دولة يهود والغرب عموماً سرعان ما حوّلوا وبنجاح الكيان الناشئ عن منظمة التحرير “السلطة الفلسطينية” وفق اتفاقيات أوسلو المشؤومة، حولوا السلطة إلى خادم أمني لكيان يهود وإلى مسلسل من التنازلات الخيانية بحجة إحلال السلام... وأمريكا وأوروبا يعلمون أن رفض كيان يهود لتقديم أي تنازلات مهما صغرت وبذرائع أمنية هي العقبة الرئيسية أمام تحقيق ما يسمى بالسلام، إذ إن منظمة التحرير قد قدمت تنازلات هائلة، وهي مستعدة لتقديم المزيد من التنازلات في مقابل إعلان أي تسوية يطلق عليها “دولة فلسطينية” ولو أنها منزوعة السلاح ومنزوعة السيادة، أي ليس فيها من الدولة إلا الاسم، ومع ذلك فكيان يهود يريد المزيد لأنه يدرك والجميع يدركون أن من يهن يسهل الهوان عليه...

2- استمرت حماس في تصريحاتها الساخنة ضد تنازلات المنظمة لدولة يهود مقابل دويلة على المحتل في 67، وهذا جعل السلطة الفلسطينية في موقف ضعيف في مفاوضاتها التي تلت توقيع اتفاقية أوسلو، فكانت الخطةُ الخبيثة لجعل حماس تلحق بالمنظمة بتوصيلها إلى الحكم في ظل الاحتلال ومن ثم التعامل معه وقبول المفاوضات على دويلة في 67 وهذا يقود بطبيعة الحال إلى الاعتراف بكيان يهود! ولأن المنظمة منخرطة حتى النخاع في مشاريع الغرب وعلى رأسه أمريكا لتركيع أهل فلسطين وحملهم على القبول بكيان يهود، فقد شاركت المنظمةُ الغربَ في المؤامرة لإيصال حركة حماس إلى السلطة في ظل الاحتلال... وساهمت المنظمة في ذلك من وراء ستار أو دون ستار لأنها تدرك أن الحكم في ظل الاحتلال سيوصل حماس إلى ما وصلت إليه فتح والمنظمة... وهكذا نجحت حركة حماس في الانتخابات التشريعية 2006، ورفضت بقية الفصائل تشكيل حكومة وحدة وطنية معها، وكان ذلك لتوريطها في الحكم تحت الاحتلال، وفي الوقت ذاته كانت قطر تكثف من اتصالاتها بحركة حماس وتعلن دعمها لها، ومن ثم كان استيلاء حركة حماس على كامل قطاع غزة... وبانغماس حركة حماس في حكم قطاع غزة وتفردها به فقد اكتمل إيقاعها في الفخ، إذ إن كيان يهود يرفض التعامل معها في المسائل الخدمية لمليوني شخص هم سكان قطاع غزة باعتبارها جماعة “إرهابية”، وأما مصر فقد شددت عليها الحصار خاصة بعد تسلم السيسي للحكم، وهكذا أصبح قطاع غزة وحكم حركة حماس فيه بين فكي كماشة نظام السيسي وكيان يهود، وكانت السلطة في رام الله تكمل هذا الطوق كونها الجهة التي تتعامل مع كيان يهود بخصوص قطاع غزة، ومن ثم أصبحت حماس لا يمكنها تأمين متطلبات الحياة الأساسية للناس القابعين تحت حكمها... وبهذا الواقع فقد وضعت حركة حماس نفسها بحكمها لغزة تحت الاحتلال وفق نصائح قطر بين خيارين أحلاهما مر، فإما الانهيار وعودة سلطة عباس للقطاع، وهذا ما ترفضه حماس... وإما الاستجابة لنصائح الداعمين خاصة قطر بتليين المواقف تجاه كيان يهود وبناء نوع من العلاقات معه والسير المعلن في مشاريع التسوية ومنها دويلة 67! وكل واع كان يدرك أن استلام الحكم في ظل الاحتلال لا بد أن يقود إلى التعامل مع المحتل والقبول بالمفاوضات مع كيان يهود وتأييدها، وتقزيم أهداف المقاومة بإقامة دولة فلسطينية على حدود 67 بكل ما يقتضيه ذلك من تنازلات... وبطبيعة الحال فهذا مما لا يُعذر الجهل فيه.

3- كل التصريحات الصادرة عن قادة حركة حماس تؤكد هدف الوثيقة بأنه تحسين قبول المجتمع الدولي لها وإبقاء حكمها في قطاع غزة، والموافقة على كونها عنصراً في معادلة تسوية القضية الفلسطينية، أي نزع كل ما كان يشاع بأن حركة حماس تقف حجر عثرة ضد تصفية فلسطين بالمفاوضات، ومن تلك التصريحات:

أ- فقد ذكر خالد مشعل بأن (الوثيقة السياسية تواكب التغييرات وتعكس ممارسات وفكر ورؤية حركة حماس، وقرار إعداد الوثيقة السياسية اتخذ قبل ٤ سنوات، وعملية الصياغة بدأت منذ عامين...) (نون بوست، 1/5/2017).
وقال مشعل “إن حماس اختارت نهجا جديدا وهو التطور والمرونة دون الإخلال بالثوابت والحقوق”... (العربية نت، 1/5/2017)، وأضاف في المؤتمر الصحفي: (توافقنا على وضع وثيقة سياسية تعكس تطور الفكر والأداء السياسي لحماس... ولا نسعى إلى حروب بل إلى تحرير وتخلص من الاحتلال... وبعد اعتماد الصيغة النهائية اجتمعنا لـ 9 ساعات مع كوكبة من رجال القانون الدولي لنأخذ ملاحظاتهم، وحماس بالوثيقة تظهر أنها حركة متطورة ومتجددة تتطور فكريًا وسياسيًا كما في المقاومة...) (وكالة معا الإخبارية، 2/5/2017).

ب- وفي إجابة منه على سؤال حول أهمية هذه الوثيقة للحركة داخليًا وخارجيًا أجاب برهوم: (هذه الوثيقة تعني الكثير لهذا الجيل الجديد في الحركة الذي يبحث عن المرونة والتطور والفكر المستنير ومواكبة المتغيرات، فهي تفتح آفاقاً جديدة في التعامل مع المجتمع وتحدد له معالم وطبيعة الصراع مع العدو، وتعيد صياغة أساليب التعامل مع الآخر والانفتاح على العالم”. وأضاف برهوم قائلًا: “فلتستمعوا إلى حماس ولا تسمعوا عنها من خصومها وأعدائها، فلا تنحرف بوصلتكم في تنكب طرق التعامل معها”...) (نون بوست، 2/5/2017).

4- ثم إن بنود الوثيقة تنطق بذلك:

- ينص البند الثامن من الوثيقة الجديدة على (تفهم حركة حماس الإسلام بشموله جوانب الحياة كافة، وصلاحيته لكل زمان ومكان، وروحه الوسطية المعتدلة؛ وتؤمن أنه دين السلام والتسامح، في ظله يعيش أتباع الشرائع والأديان في أمن وأمان؛ كما تؤمن أنَّ فلسطين كانت وستبقى نموذجاً للتعايش والتسامح والإبداع الحضاري)، والتعايش والتسامح بين الأديان المقصود به هنا هو مع اليهود، أي إقفال صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة من التعايش والتسامح، وهذه إشارة إلى درجة كبيرة من التهاون، ويشير كذلك إلى الهدف من إعلان الوثيقة، وهو تقديم الحركة لأوروبا وأمريكا بشكل يُحسِّن من قبولهم لها واعترافهم بها في المعادلة الفلسطينية...

- نصت الوثيقة في البند 34 على (دور المرأة الفلسطينية المحوري في بناء الحاضر والمستقبل والنظام السياسي...) ولم يوضع هذا النص في سياق رفع الإسلام لمنزلة المرأة بل للاقتراب من مفاهيم الغرب حول ما يسمونه “حقوق المرأة” الذي ما هو إلا أداة للهجوم على الحضارة الإسلامية، وليس مطالبات حقيقية بحقوق المرأة، فالغرب لا يطالب نفسه بعدم قتل المرأة المسلمة في العراق وسوريا وفلسطين، بل هو لا يعتبر الحفاظ على حياة المرأة حقاً، وإنما يطالب فقط بفكرة الحرية للمرأة كما يريدها هو لضرب الحضارة الإسلامية.

5- وبهذه التصريحات والنصوص للوثيقة يتضح الهدف بشكل جلي، فالوثيقة تحرر الحركة من القشور الأيديولوجية التي تشكك الغرب بها، رغم كونها قشوراً! ويصبغها بنظرة براغماتية خالية من أي بُعدٍ أيديولوجي إسلامي، وهي بذلك تريد أن تتموضع في مكان ليس فيه مظنة الإعاقة للحلول السلمية، أي فتح الطريق للحلول التفاوضية وتأييدها باعتبارها “صيغة توافقية وطنية مشتركة”! بل إن وثيقة حماس تتزامن مع احتمال فتح المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وكيان يهود، فإعلانها 1/5/2017 صريح في تزامنه مع زيارة عباس لواشنطن 2/5/2017… وأما السفسطة اللغوية عن الإسلام وعدم الاعتراف بكيان يهود فلا قيمة لها، إذ كيف يمكن التوفيق بين القبول بدولة فلسطينية على حدود 67 وعدم الاعتراف بكيان يهود؟ إن إعلان حركة حماس عن قبولها بدولة على حدود 67، وتسمية ذلك بصيغة توافقية وطنية مشتركة، ما هو إلا بداية التنازلات، الذي له ما بعده، وهذا المشهد يذكِّر بما قامت به منظمة التحرير من خطوات وتدرج في التنازلات حتى تحولت إلى خادم أمني لكيان يهود... وكما هو ظاهر فإن “سلطة” حماس في غزة منذ انتخابات 2006 ثم الاستيلاء على الحكم في غزة هي لا تبتعد كثيراً عن خطوات التدرج تلك وبخاصة منذ خطاب مشعل في دمشق 25/6/2009 الذي أعلن فيه أنه يريد دولة في حدود 67 وقد أصدرنا حينها في 26/6/2009 إصداراً تحت عنوان “سلطة حماس تتِّبع سنن سلطة فتح شبراً بشبر وذراعاً بذراع!!” قلنا فيه: (عندما أنشئت حركة فتح في منتصف ستينات القرن الماضي أعلنت أنها تتبنى المقاومة لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، ثم انتهى بها المطاف أن أضاعت النهر والبحر وما بينهما! لقد اعترفت سلطة فتح بكيان يهود في معظم معظم فلسطين، وصارت تفاوضها على دولة في ما بقي من فلسطين برعاية أمريكية... ومع ذلك، فإن سلطة فتح حتى اليوم، وبعد سنين طوال من المفاوضات، لم تنل شيئاً... ثم أنشئت حماس بعد نحو عقدين من إنشاء فتح، فبدأت الشوط الذي سارته فتح من أوله، فأعلنت أنها تتبنى المقاومة لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، وبدأت تنتقد حركة فتح لاعترافها بدولة يهود، ولمطالبتها فقط في دولة بحدود 1967، وأنها ترتمي في أحضان أمريكا... ثم انتهى المطاف بسلطة حماس كذلك إلى أن تطالب بدولة في حدود 1967، بجانب دولة يهود في معظم معظم فلسطين! وتمد يدها إلى أمريكا للتفاوض حول تحقيق هذا الأمر!... ففي خطاب كبير حماس خالد مشعل في دمشق 25/6/2009م قد نطق بالفم الملآن “أن حماس تريد دولة في حدود 1967، وأنها تمد يدها للتفاوض مع أمريكا لهذا الغرض!)، وهكذا فبدء خطوات التنازل التدريجي مضى عليه نحو ثماني سنوات أي ضعف المدة التي ذكرها مشعل في وثيقة حماس الحالية، حيث قال (الوثيقة السياسية تواكب التغييرات وتعكس ممارسات وفكر ورؤية حركة حماس، وقرار إعداد الوثيقة السياسية اتخذ قبل ٤ سنوات، وعملية الصياغة بدأت منذ عامين...) (نون بوست، 1/5/2017).

فالتنازل قد بدأ من قبل، ولكن الفارق أن مشعل حينها ذكر جزءاً والآن أضاف لها أجزاء، فسابقاً ذكر في حدود 67، وأبقى في ميثاقه تدمير دولة يهود، وأبقى كذلك ارتباط حماس بالإخوان المسلمين... والآن تنازل عن هذين الاثنين تماشياً مع التنازل بالتدريج!! وفارق آخر أن السابق كان خطاباً يقال فيه ويقال ولكن الآن وثيقة سياسية معتمدة!

ثانياً: وثيقة حماس وعلاقتها بمشاريع أمريكية للحل:

1- في ظل تفجر المنطقة العربية خاصة في سوريا، وسخونة التوتر بين أمريكا وكوريا الشمالية، فإن القضية الفلسطينية لم تعد قضية ملحة ذات أولوية للإدارة الأمريكية الحالية. ولذلك فليست أمريكا في عجلة من أمرها بالنسبة لهذه القضية... فهي تستطلع آفاق الحلول للمسألة الفلسطينية، وتدرس إمكانية فتح المفاوضات بين العرب خاصة الفلسطينيين وكيان يهود، وترى ما يكون، وما يؤكد ذلك ما نقلته بي بي سي 11/3/2017 (ونسبت وكالة أنباء رويترز إلى نبيل أبو ردينة المتحدث باسم الرئيس الفلسطيني القول إن ترامب قال لعباس إنه يرغب ببحث كيفية العودة إلى المفاوضات، وأكد على “التزامه بعملية سلميةٍ تقود إلى سلامٍ حقيقي”). وقال أيضاً في مؤتمر صحفي مشترك في البيت الأبيض، مع عباس: (”سأفعل كل ما هو ضروري... أود أن أعمل كوسيط أو موجه أو حكم بين الجانبين وسننجز هذا...”) (روسيا اليوم، 4/5/2017)، أي أن أمريكا لا تقدم خططاً محددة للحل في فلسطين الآن، وذلك إلى أن تقطع شوطاً في الحرب أو التهدئة بالنسبة لموضوعي سوريا وكوريا الشمالية. فليس محدداً عند ترامب كيفية العودة للمفاوضات ولا نوع العملية السلمية التي يريد، بل هو في مرحلة استكشاف واستطلاع ودردشة مع أطراف النزاع في فلسطين... كما أنه يريد من هذه الأطراف أن تلتقي في لقاءات مباشرة ليتفقوا على الحلول التي يريدون أو بالأحرى التي يريدها كيان يهود! لذلك تطالب بمفاوضات مباشرة (فقد التقت مندوبة الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة نيكي هيل بالمندوب الفلسطيني رياض منصور للمرة الأولى يوم الثلاثاء الماضي. وفي وقت لاحق، قالت في تغريدة بموقع “تويتر” للتواصل (الاجتماعي) إن على الفلسطينيين أن يلتقوا بالإسرائيليين “في مفاوضات مباشرة بدلا من اللجوء إلى الأمم المتحدة للحصول على نتائج...”) (بي بي سي، 11/3/2017).

2- تدعم الإدارة الأمريكية الحالية كيان يهود بصلابة أكبر من الإدارات السابقة، وذلك أن أمريكا رأت بأن الشرق الأوسط قد بات منطقةً متلاطمةً تجتاحها الثورات الرافضة للوضع الراهن من كل جوانبه، وإذا كانت أمريكا قادرة اليوم على مواجهة الثورات من خلال أنظمة الحكم القائمة في العالم الإسلامي فإنها قد لا تكون كذلك في المستقبل القريب، بسبب الضعف الآخذ في التزايد لهذه الأنظمة، بل إن بعضها آيل للسقوط، وكنتيجة لذلك فإن أهمية كيان يهود في الاستراتيجية الأمريكية تعود لتحتل الأولوية في خدمة المصالح الأمريكية بعد ضعف الأنظمة العربية. لكل ذلك فإن ما يبدو غريباً في ما تعرضه إدارة ترامب مثل احتمال التخلي عن حل الدولتين واعتماد حل الدولة الواحدة، ومثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، حتى وإن كانت أمريكا تراوغ فيه إلا أنه تعبير عن مدى الخطر الذي تشعر به أمريكا على مصالحها أمام ثورات المسلمين، ومن ثم تركز على دعم كيان يهود ظناً منها أنه القادر على حماية مصالحها بعد اهتزاز عملائها في المنطقة...

3- ومن هذا الاهتمام والدعم لكيان يهود طلب الرئيس ترامب من الفلسطينيين وقف التحريض، وفي أول لقاء له مع عباس، يوم الأربعاء 3 أيار، دعا ترامب الزعماء الفلسطينيين (للحديث بصوت موحد ضد التحريض على العنف ضد الإسرائيليين...)

(رويترز عربي، 4/5/2017)، هذا بالإضافة إلى ما يطلبه ترامب من شروط مجحفة على الفلسطينيين إن أرادوا حل الدولتين، فقد نقل موقع المونيتور 2/5/2017 (أكثر ما يثير قلق المفاوضين الفلسطينيّين هي الشّروط الأمريكيّة لاستئناف محادثات السّلام التي قدّمها المبعوث الأمريكي جيسون غرينبلات في شهر آذار/مارس عندما التقى القادة الفلسطينيّين والعرب. وتتضمّن الخطّة المكوّنة من تسع نقاط شروطاً وضعتها الولايات المتّحدة للقبول بحلّ الدّولتين، ومنها ضرورة إصلاح الأمن الفلسطيني بالتّنسيق مع (إسرائيل)، ووضع حد للشّيكات المفتوحة التي يجري إرسالها إلى غزة، وإظهار أنّ الفلسطينيّين يعارضون الإرهاب بطرق عمليّة.).

ثالثاً: علاقة أوروبا بالوثيقة وهل هي في خط منفصل عن أمريكا؟

إن الدول الأوروبية أضعف من أن يكون لها مشاريع في الوقت الحالي بشكل منفصل عن أمريكا، ومع أن قطر الموالية لبريطانيا كان لها الدور الفاعل، ولكن لا يعني ذلك أن أوروبا تستطيع أن توجد حلاً للقضية الفلسطينية بمعزل عن أمريكا... وعلى كل، فإن الاعتراف بكيان يهود والتفاوض معه مطلب للغرب كله فأوروبا وأمريكا متفقة على ذلك... كما أن بريطانيا خاصة بعد بداية مسيرتها للخروج من الاتحاد الأوروبي مستعدة أكثر من أي وقت مضى للسير قَدماً بقدمٍ بجانب أمريكا لحل القضية الفلسطينية وعدم وضع العراقيل، وأن إدارة ترامب هذه تعترف لبريطانيا ببعض المصالح، ومستعدة لإلقامها شيئاً من الغنيمة، خاصة وأن الطرفين الأمريكي والأوروبي يقفان أمام المخاطر الإسلامية الهائلة ويشاهدانها عن قرب في المنطقة الإسلامية العربية الثائرة، وأن المنطقة برمتها قد تكون على وشك الخروج عن السيطرة الغربية.

رابعاً: ونكرر ما نقوله دائماً:

إن اعتراف فتح وحماس بدولتين في فلسطين لن يجعل كيان يهود مشروعاً في الإسلام، فليست فتح وحماس هما الإسلام والمسلمين، بل هما نزر يسير من القافلة انحرف عن الطريق، أما فلسطين، فهي أرض إسلامية مباركة، ملك للأمة الإسلامية، وهي تقع في عقلها وقلبها، منذ أن ربط الله سبحانه أقصاها بالبيت الحرام في الحادثة العظيمة، حادثة الإسراء والمعراج، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.

هذه فلسطين، لن يكون حلها باليد الممدودة لأمريكا بالتفاوض حول حل الدولتين، ولا بالتفاوض مع كيان يهود، حتى لو انسحب فعلاً من كل المحتل في 1967، فإن أي شبر في فلسطين المحتلة 1948م، وأي شبر في فلسطين المحتلة 1967م، هما في نظر الإسلام سواء، فقد جُبلت الأرض المباركة بدماء شهداء الجيش الإسلامي، على مر عصور الخلافة الإسلامية، حتى لم يبق شبر من فلسطين لم يسقط فيه دم شهيد أو غبار فرس لمجاهد.

إن فلسطين منذ حادثة الإسراء كانت وما زالت أمانة في أعناق المسلمين، ولا يملك مسلم حر أن يخون هذه الأمانة، فالله القوي العزيز يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

الجواب:
من أجل إدراك دوافع وأبعاد إعلان الوثيقة الجديدة، والمسماة “وثيقة المبادئ والسياسات العامة لحركة حماس”، وعلاقة ذلك بأمريكا وأوروبا... نستعرض كل ذلك فيما يلي:

أولاً: نتائج تنازلات المنظمة ثم لحاق حماس بها:

1- تنازلت منظمة التحرير “ممثل فلسطين المزعوم” عن 80% من أرض فلسطين (احتلال 48) بحجة أن تكون لهم دويلة في المحتل 1967، ولكن اليهود بدل أن يقدموا في مقابل ذلك اعترافاً بما تبقى من فلسطين (احتلال 67) للفلسطينيين قدموا اعترافاً بمنظمة التحرير! بل إن دولة يهود والغرب عموماً سرعان ما حوّلوا وبنجاح الكيان الناشئ عن منظمة التحرير “السلطة الفلسطينية” وفق اتفاقيات أوسلو المشؤومة، حولوا السلطة إلى خادم أمني لكيان يهود وإلى مسلسل من التنازلات الخيانية بحجة إحلال السلام... وأمريكا وأوروبا يعلمون أن رفض كيان يهود لتقديم أي تنازلات مهما صغرت وبذرائع أمنية هي العقبة الرئيسية أمام تحقيق ما يسمى بالسلام، إذ إن منظمة التحرير قد قدمت تنازلات هائلة، وهي مستعدة لتقديم المزيد من التنازلات في مقابل إعلان أي تسوية يطلق عليها “دولة فلسطينية” ولو أنها منزوعة السلاح ومنزوعة السيادة، أي ليس فيها من الدولة إلا الاسم، ومع ذلك فكيان يهود يريد المزيد لأنه يدرك والجميع يدركون أن من يهن يسهل الهوان عليه...

2- استمرت حماس في تصريحاتها الساخنة ضد تنازلات المنظمة لدولة يهود مقابل دويلة على المحتل في 67، وهذا جعل السلطة الفلسطينية في موقف ضعيف في مفاوضاتها التي تلت توقيع اتفاقية أوسلو، فكانت الخطةُ الخبيثة لجعل حماس تلحق بالمنظمة بتوصيلها إلى الحكم في ظل الاحتلال ومن ثم التعامل معه وقبول المفاوضات على دويلة في 67 وهذا يقود بطبيعة الحال إلى الاعتراف بكيان يهود! ولأن المنظمة منخرطة حتى النخاع في مشاريع الغرب وعلى رأسه أمريكا لتركيع أهل فلسطين وحملهم على القبول بكيان يهود، فقد شاركت المنظمةُ الغربَ في المؤامرة لإيصال حركة حماس إلى السلطة في ظل الاحتلال... وساهمت المنظمة في ذلك من وراء ستار أو دون ستار لأنها تدرك أن الحكم في ظل الاحتلال سيوصل حماس إلى ما وصلت إليه فتح والمنظمة... وهكذا نجحت حركة حماس في الانتخابات التشريعية 2006، ورفضت بقية الفصائل تشكيل حكومة وحدة وطنية معها، وكان ذلك لتوريطها في الحكم تحت الاحتلال، وفي الوقت ذاته كانت قطر تكثف من اتصالاتها بحركة حماس وتعلن دعمها لها، ومن ثم كان استيلاء حركة حماس على كامل قطاع غزة... وبانغماس حركة حماس في حكم قطاع غزة وتفردها به فقد اكتمل إيقاعها في الفخ، إذ إن كيان يهود يرفض التعامل معها في المسائل الخدمية لمليوني شخص هم سكان قطاع غزة باعتبارها جماعة “إرهابية”، وأما مصر فقد شددت عليها الحصار خاصة بعد تسلم السيسي للحكم، وهكذا أصبح قطاع غزة وحكم حركة حماس فيه بين فكي كماشة نظام السيسي وكيان يهود، وكانت السلطة في رام الله تكمل هذا الطوق كونها الجهة التي تتعامل مع كيان يهود بخصوص قطاع غزة، ومن ثم أصبحت حماس لا يمكنها تأمين متطلبات الحياة الأساسية للناس القابعين تحت حكمها... وبهذا الواقع فقد وضعت حركة حماس نفسها بحكمها لغزة تحت الاحتلال وفق نصائح قطر بين خيارين أحلاهما مر، فإما الانهيار وعودة سلطة عباس للقطاع، وهذا ما ترفضه حماس... وإما الاستجابة لنصائح الداعمين خاصة قطر بتليين المواقف تجاه كيان يهود وبناء نوع من العلاقات معه والسير المعلن في مشاريع التسوية ومنها دويلة 67! وكل واع كان يدرك أن استلام الحكم في ظل الاحتلال لا بد أن يقود إلى التعامل مع المحتل والقبول بالمفاوضات مع كيان يهود وتأييدها، وتقزيم أهداف المقاومة بإقامة دولة فلسطينية على حدود 67 بكل ما يقتضيه ذلك من تنازلات... وبطبيعة الحال فهذا مما لا يُعذر الجهل فيه.

3- كل التصريحات الصادرة عن قادة حركة حماس تؤكد هدف الوثيقة بأنه تحسين قبول المجتمع الدولي لها وإبقاء حكمها في قطاع غزة، والموافقة على كونها عنصراً في معادلة تسوية القضية الفلسطينية، أي نزع كل ما كان يشاع بأن حركة حماس تقف حجر عثرة ضد تصفية فلسطين بالمفاوضات، ومن تلك التصريحات:

أ- فقد ذكر خالد مشعل بأن (الوثيقة السياسية تواكب التغييرات وتعكس ممارسات وفكر ورؤية حركة حماس، وقرار إعداد الوثيقة السياسة اتخذ قبل ٤ سنوات، وعملية الصياغة بدأت منذ عامين...) (نون بوست، 1/5/2017).
وقال مشعل “إن حماس اختارت نهجا جديدا وهو التطور والمرونة دون الإخلال بالثوابت والحقوق”... (العربية نت، 1/5/2017)، وأضاف في المؤتمر الصحفي: (توافقنا على وضع وثيقة سياسية تعكس تطور الفكر والأداء السياسي لحماس... ولا نسعى إلى حروب بل إلى تحرير وتخلص من الاحتلال... وبعد اعتماد الصيغة النهائية اجتمعنا لـ 9 ساعات مع كوكبة من رجال القانون الدولي لنأخذ ملاحظاتهم، وحماس بالوثيقة تظهر أنها حركة متطورة ومتجددة تتطور فكريًا وسياسيًا كما في المقاومة...) (وكالة معا الإخبارية، 2/5/2017).

ب- وفي إجابة منه على سؤال حول أهمية هذه الوثيقة للحركة داخليًا وخارجيًا أجاب برهوم: (هذه الوثيقة تعني الكثير لهذا الجيل الجديد في الحركة الذي يبحث عن المرونة والتطور والفكر المستنير ومواكبة المتغيرات، فهي تفتح آفاقاً جديدة في التعامل مع المجتمع وتحدد له معالم وطبيعة الصراع مع العدو، وتعيد صياغة أساليب التعامل مع الآخر والانفتاح على العالم”. وأضاف برهوم قائلًا: “فلتستمعوا إلى حماس ولا تسمعوا عنها من خصومها وأعدائها، فلا تنحرف بوصلتكم في تنكب طرق التعامل معها”...) (نون بوست، 2/5/2017).

4- ثم إن بنود الوثيقة تنطق بذلك:

- ينص البند الثامن من الوثيقة الجديدة على (تفهم حركة حماس الإسلام بشموله جوانب الحياة كافة، وصلاحيته لكل زمان ومكان، وروحه الوسطية المعتدلة؛ وتؤمن أنه دين السلام والتسامح، في ظله يعيش أتباع الشرائع والأديان في أمن وأمان؛ كما تؤمن أنَّ فلسطين كانت وستبقى نموذجاً للتعايش والتسامح والإبداع الحضاري)، والتعايش والتسامح بين الأديان المقصود به هنا هو مع اليهود، أي إقفال صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة من التعايش والتسامح، وهذه إشارة إلى درجة كبيرة من التهاون، ويشير كذلك إلى الهدف من إعلان الوثيقة، وهو تقديم الحركة لأوروبا وأمريكا بشكل يُحسِّن من قبولهم لها واعترافهم بها في المعادلة الفلسطينية...

- نصت الوثيقة في البند 34 على (دور المرأة الفلسطينية المحوري في بناء الحاضر والمستقبل والنظام السياسي...) ولم يوضع هذا النص في سياق رفع الإسلام لمنزلة المرأة بل للاقتراب من مفاهيم الغرب حول ما يسمونه “حقوق المرأة” الذي ما هو إلا أداة للهجوم على الحضارة الإسلامية، وليس مطالبات حقيقية بحقوق المرأة، فالغرب لا يطالب نفسه بعدم قتل المرأة المسلمة في العراق وسوريا وفلسطين، بل هو لا يعتبر الحفاظ على حياة المرأة حقاً، وإنما يطالب فقط بفكرة الحرية للمرأة كما يريدها هو لضرب الحضارة الإسلامية.

5- وبهذه التصريحات والنصوص للوثيقة يتضح الهدف بشكل جلي، فالوثيقة تحرر الحركة من القشور الأيديولوجية التي تشكك الغرب بها، رغم كونها قشوراً! ويصبغها بنظرة براغماتية خالية من أي بُعدٍ أيديولوجي إسلامي، وهي بذلك تريد أن تتموضع في مكان ليس فيه مظنة الإعاقة للحلول السلمية، أي فتح الطريق للحلول التفاوضية وتأييدها باعتبارها “صيغة توافقية وطنية مشتركة”! بل إن وثيقة حماس تتزامن مع احتمال فتح المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وكيان يهود، فإعلانها 1/5/2017 صريح في تزامنه مع زيارة عباس لواشنطن 2/5/2017… وأما السفسطة اللغوية عن الإسلام وعدم الاعتراف بكيان يهود فلا قيمة لها، إذ كيف يمكن التوفيق بين القبول بدولة فلسطينية على حدود 67 وعدم الاعتراف بكيان يهود؟ إن إعلان حركة حماس عن قبولها بدولة على حدود 67، وتسمية ذلك بصيغة توافقية وطنية مشتركة، ما هو إلا بداية التنازلات، الذي له ما بعده، وهذا المشهد يذكِّر بما قامت به منظمة التحرير من خطوات وتدرج في التنازلات حتى تحولت إلى خادم أمني لكيان يهود... وكما هو ظاهر فإن “سلطة” حماس في غزة منذ انتخابات 2006 ثم الاستيلاء على الحكم في غزة هي لا تبتعد كثيراً عن خطوات التدرج تلك وبخاصة منذ خطاب مشعل في دمشق 25/6/2009 الذي أعلن فيه أنه يريد دولة في حدود 67 وقد أصدرنا حينها في 26/6/2009 إصداراً تحت عنوان “سلطة حماس تتِّبع سنن سلطة فتح شبراً بشبر وذراعاً بذراع!!” قلنا فيه: (عندما أنشئت حركة فتح في منتصف ستينات القرن الماضي أعلنت أنها تتبنى المقاومة لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، ثم انتهى بها المطاف أن أضاعت النهر والبحر وما بينهما! لقد اعترفت سلطة فتح بكيان يهود في معظم معظم فلسطين، وصارت تفاوضها على دولة في ما بقي من فلسطين برعاية أمريكية... ومع ذلك، فإن سلطة فتح حتى اليوم، وبعد سنين طوال من المفاوضات، لم تنل شيئاً... ثم أنشئت حماس بعد نحو عقدين من إنشاء فتح، فبدأت الشوط الذي سارته فتح من أوله، فأعلنت أنها تتبنى المقاومة لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، وبدأت تنتقد حركة فتح لاعترافها بدولة يهود، ولمطالبتها فقط في دولة بحدود 1967، وأنها ترتمي في أحضان أمريكا... ثم انتهى المطاف بسلطة حماس كذلك إلى أن تطالب بدولة في حدود 1967، بجانب دولة يهود في معظم معظم فلسطين! وتمد يدها إلى أمريكا للتفاوض حول تحقيق هذا الأمر!... ففي خطاب كبير حماس خالد مشعل في دمشق 25/6/2009م قد نطق بالفم الملآن “أن حماس تريد دولة في حدود 1967، وأنها تمد يدها للتفاوض مع أمريكا لهذا الغرض!)، وهكذا فبدء خطوات التنازل التدريجي مضى عليه نحو ثماني سنوات أي ضعف المدة التي ذكرها مشعل في وثيقة حماس الحالية، حيث قال (الوثيقة السياسية تواكب التغييرات وتعكس ممارسات وفكر ورؤية حركة حماس، وقرار إعداد الوثيقة السياسة اتخذ قبل ٤ سنوات، وعملية الصياغة بدأت منذ عامين...) (نون بوست، 1/5/2017).

فالتنازل قد بدأ من قبل، ولكن الفارق أن مشعل حينها ذكر جزءاً والآن أضاف لها أجزاء، فسابقاً ذكر في حدود 67، وأبقى في ميثاقه تدمير دولة يهود، وأبقى كذلك ارتباط حماس بالإخوان المسلمين... والآن تنازل عن هذين الاثنين تماشياً مع التنازل بالتدريج!! وفارق آخر أن السابق كان خطاباً يقال فيه ويقال ولكن الآن وثيقة سياسية معتمدة!

ثانياً: وثيقة حماس وعلاقتها بمشاريع أمريكية للحل:

1- في ظل تفجر المنطقة العربية خاصة في سوريا، وسخونة التوتر بين أمريكا وكوريا الشمالية، فإن القضية الفلسطينية لم تعد قضية ملحة ذات أولوية للإدارة الأمريكية الحالية. ولذلك فليست أمريكا في عجلة من أمرها بالنسبة لهذه القضية... فهي تستطلع آفاق الحلول للمسألة الفلسطينية، وتدرس إمكانية فتح المفاوضات بين العرب خاصة الفلسطينيين وكيان يهود، وترى ما يكون، وما يؤكد ذلك ما نقلته بي بي سي 11/3/2017 (ونسبت وكالة أنباء رويترز إلى نبيل أبو ردينة المتحدث باسم الرئيس الفلسطيني القول إن ترامب قال لعباس إنه يرغب ببحث كيفية العودة إلى المفاوضات، وأكد على “التزامه بعملية سلميةٍ تقود إلى سلامٍ حقيقي”). وقال أيضاً في مؤتمر صحفي مشترك في البيت الأبيض، مع عباس: (”سأفعل كل ما هو ضروري... أود أن أعمل كوسيط أو موجه أو حكم بين الجانبين وسننجز هذا...”) (روسيا اليوم، 4/5/2017)، أي أن أمريكا لا تقدم خططاً محددة للحل في فلسطين الآن، وذلك إلى أن تقطع شوطاً في الحرب أو التهدئة بالنسبة لموضوعي سوريا وكوريا الشمالية. فليس محدداً عند ترامب كيفية العودة للمفاوضات ولا نوع العملية السلمية التي يريد، بل هو في مرحلة استكشاف واستطلاع ودردشة مع أطراف النزاع في فلسطين... كما أنه يريد من هذه الأطراف أن تلتقي في لقاءات مباشرة ليتفقوا على الحلول التي يريدون أو بالأحرى التي يريدها كيان يهود! لذلك تطالب بمفاوضات مباشرة (فقد التقت مندوبة الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة نيكي هيل بالمندوب الفلسطيني رياض منصور للمرة الأولى يوم الثلاثاء الماضي. وفي وقت لاحق، قالت في تغريدة بموقع “تويتر” للتواصل (الاجتماعي) إن على الفلسطينيين أن يلتقوا بالإسرائيليين “في مفاوضات مباشرة بدلا من اللجوء إلى الأمم المتحدة للحصول على نتائج...”) (بي بي سي، 11/3/2017).

2- تدعم الإدارة الأمريكية الحالية كيان يهود بصلابة أكبر من الإدارات السابقة، وذلك أن أمريكا رأت بأن الشرق الأوسط قد بات منطقةً متلاطمةً تجتاحها الثورات الرافضة للوضع الراهن من كل جوانبه، وإذا كانت أمريكا قادرة اليوم على مواجهة الثورات من خلال أنظمة الحكم القائمة في العالم الإسلامي فإنها قد لا تكون كذلك في المستقبل القريب، بسبب الضعف الآخذ في التزايد لهذه الأنظمة، بل إن بعضها آيل للسقوط، وكنتيجة لذلك فإن أهمية كيان يهود في الاستراتيجية الأمريكية تعود لتحتل الأولوية في خدمة المصالح الأمريكية بعد ضعف الأنظمة العربية. لكل ذلك فإن ما يبدو غريباً في ما تعرضه إدارة ترامب مثل احتمال التخلي عن حل الدولتين واعتماد حل الدولة الواحدة، ومثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، حتى وإن كانت أمريكا تراوغ فيه إلا أنه تعبير عن مدى الخطر الذي تشعر به أمريكا على مصالحها أمام ثورات المسلمين، ومن ثم تركز على دعم كيان يهود ظناً منها أنه القادر على حماية مصالحها بعد اهتزاز عملائها في المنطقة...

3- ومن هذا الاهتمام والدعم لكيان يهود طلب الرئيس ترامب من الفلسطينيين وقف التحريض، وفي أول لقاء له مع عباس، يوم الأربعاء 3 أيار، دعا ترامب الزعماء الفلسطينيين (للحديث بصوت موحد ضد التحريض على العنف ضد الإسرائيليين...)

(رويترز عربي، 4/5/2017)، هذا بالإضافة إلى ما يطلبه ترامب من شروط مجحفة على الفلسطينيين إن أرادوا حل الدولتين، فقد نقل موقع المونيتور 2/5/2017 (أكثر ما يثير قلق المفاوضين الفلسطينيّين هي الشّروط الأمريكيّة لاستئناف محادثات السّلام التي قدّمها المبعوث الأمريكي جيسون غرينبلات في شهر آذار/مارس عندما التقى القادة الفلسطينيّين والعرب. وتتضمّن الخطّة المكوّنة من تسع نقاط شروطاً وضعتها الولايات المتّحدة للقبول بحلّ الدّولتين، ومنها ضرورة إصلاح الأمن الفلسطيني بالتّنسيق مع (إسرائيل)، ووضع حد للشّيكات المفتوحة التي يجري إرسالها إلى غزة، وإظهار أنّ الفلسطينيّين يعارضون الإرهاب بطرق عمليّة.).

ثالثاً: علاقة أوروبا بالوثيقة وهل هي في خط منفصل عن أمريكا؟

إن الدول الأوروبية أضعف من أن يكون لها مشاريع في الوقت الحالي بشكل منفصل عن أمريكا، ومع أن قطر الموالية لبريطانيا كان لها الدور الفاعل، ولكن لا يعني ذلك أن أوروبا تستطيع أن توجد حلاً للقضية الفلسطينية بمعزل عن أمريكا... وعلى كل، فإن الاعتراف بكيان يهود والتفاوض معه مطلب للغرب كله فأوروبا وأمريكا متفقة على ذلك... كما أن بريطانيا خاصة بعد بداية مسيرتها للخروج من الاتحاد الأوروبي مستعدة أكثر من أي وقت مضى للسير قَدماً بقدمٍ بجانب أمريكا لحل القضية الفلسطينية وعدم وضع العراقيل، وأن إدارة ترامب هذه تعترف لبريطانيا ببعض المصالح، ومستعدة لإلقامها شيئاً من الغنيمة، خاصة وأن الطرفين الأمريكي والأوروبي يقفان أمام المخاطر الإسلامية الهائلة ويشاهدانها عن قرب في المنطقة الإسلامية العربية الثائرة، وأن المنطقة برمتها قد تكون على وشك الخروج عن السيطرة الغربية.

رابعاً: ونكرر ما نقوله دائماً:

إن اعتراف فتح وحماس بدولتين في فلسطين لن يجعل كيان يهود مشروعاً في الإسلام، فليست فتح وحماس هما الإسلام والمسلمين، بل هما نزر يسير من القافلة انحرف عن الطريق، أما فلسطين، فهي أرض إسلامية مباركة، ملك للأمة الإسلامية، وهي تقع في عقلها وقلبها، منذ أن ربط الله سبحانه أقصاها بالبيت الحرام في الحادثة العظيمة، حادثة الإسراء والمعراج، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.

هذه فلسطين، لن يكون حلها باليد الممدودة لأمريكا بالتفاوض حول حل الدولتين، ولا بالتفاوض مع كيان يهود، حتى لو انسحب فعلاً من كل المحتل في 1967، فإن أي شبر في فلسطين المحتلة 1948م، وأي شبر في فلسطين المحتلة 1967م، هما في نظر الإسلام سواء، فقد جُبلت الأرض المباركة بدماء شهداء الجيش الإسلامي، على مر عصور الخلافة الإسلامية، حتى لم يبق شبر من فلسطين لم يسقط فيه دم شهيد أو غبار فرس لمجاهد.

إن فلسطين منذ حادثة الإسراء كانت وما زالت أمانة في أعناق المسلمين، ولا يملك مسلم حر أن يخون هذه الأمانة، فالله القوي العزيز يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

15 شعبان 1438هـ

 
12/05/2017م
 



إقرأ أيضا:-